مقاتل ابن عطية
334
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
الشبهة السادسة : إن كلمة « الهجر » التي تلفّظها عمر لم يقصد بها ظاهرها ، ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزية ولم يتحفظ منها ، وقد تبنّى هذه الشبهة ابن أبي الحديد « 1 » ؛ فقال : وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة ، يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد ، ويتوهّم من تحكى له أنه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده ، فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول اللّه ، ومعاذ اللّه أن يقصد بها ظاهرها ! ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته ولم يتحفّظ منها ، وكان الأحسن أن يقول : « مغمور » أو « مغلوب بالمرض » وحاشاه أن يعني بها غير ذلك ! ولجفاة الأعراب من هذا الفنّ كثير ، ثم قال : وعلى نحو هذا يحتمل كلامه في صلح الحديبية لما قال للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ألم تقل لنا : ستدخلونها - أي مكة - في ألفاظ نكرة حكايتها ، حتى شكاه النبيّ إلى أبي بكر ، وحتى قال له أبو بكر : الزم بغرزه « 2 » ، فو اللّه إنه لرسول اللّه . ويرد عليه : أولا : أنه لا وجه لحمل الكلام على المحامل البعيدة وإخراجه عن ظاهره من غير دليل ، وظاهر الكلام تقبيح لرأي رسول اللّه وردّ لقوله على أقبح وجه ، ولم يقم برهان على عدم جواز الخطأ والارتداد على عمر بن الخطّاب حتى يؤوّل ابن أبي الحديد كلامه بالتأويلات البعيدة ، وما رووه في فضله من الأخبار فمع أنها من موضوعاتهم ، لا حجة فيها على الخصم لتفرّدهم بروايتها ، فأكثرها لا دلالة فيها على ما يجديهم في هذا المقام . والعجب أنّهم يثبتون أنواع الخطايا والذنوب للأنبياء عليهم السّلام لظواهر الآيات الواردة فيهم ، وينكرون علينا حملها على ترك الأولى وغيره من الوجوه ، مع قيام
--> ( 1 ) شرح النهج ج 1 / 142 ، ط / الأعلمي . ( 2 ) أي اتبع قوله .